ابن تيمية

66

مجموعة الفتاوى

الْمُعَانِدُ وَصَاحِبُ الْأَخْلَاقِ الْفَاسِدَةِ إنَّمَا يُوقِعُهُ فِيهَا أَحَدُ أَمْرَيْنِ : إمَّا الْجَهْلُ بِمَا فِيهَا وَمَا فِي ضِدِّهَا فَهَذَا جَاهِلٌ وَإِمَّا الْمَيْلُ وَالْعُدْوَانُ وَهُوَ الظُّلْمُ فَلَا يَفْعَلُ السَّيِّئَاتِ إلَّا جَاهِلٌ بِهَا أَوْ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا مُتَلَذِّذٌ بِهَا وَهُوَ الظَّالِمُ . فَنَهَاهُ عَنْ طَاعَةِ الْجَاهِلِينَ وَالظَّالِمِينَ . وَقَوْلُهُ : { وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ } الْآيَةَ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ إدْهَانَهُ ليدهنوا ، فَهُمْ لَا يَأْمُرُونَهُ نُصْحاً ؛ بَلْ يُرِيدُونَ مِنْهُ الِادِّهَانَ وَيَتَوَسَّلُونَ بإدهانه إلَى إدهَانِهِمْ ويستعملونه لِأَغْرَاضِهِمْ فِي صُورَةِ النَّاصِحِ ؛ وَذَلِكَ لِمَا نَشَأَ مِنْ تَكْذِيبِهِمْ بِالْحَقِّ فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي قُلُوبِهِمْ غَايَةٌ يَنْتَهُونَ إلَيْهَا مِن الحَقِّ ؛ لَا فِي الْحَقِّ الْمَقْصُودِ وَلَا الْحَقِّ الْمَوْجُودِ لَا خَبَراً عَنْهُ وَلَا أَمْراً بِهِ وَلَا اعْتِقَاداً وَلَا اقْتِصَاداً . ثُمَّ قَالَ : { وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ } إلَخْ . ذَكَرَ أَرْبَعَ آيَاتٍ كُلَّ آيَتَيْنِ جَمَعَتْ نَوْعاً مِن الأَخْلَاقِ الْفَاسِدَةِ الْمَذْمُومَةِ وَجَمَعَ فِي كُلِّ آيَةٍ بَيْنَ النَّوْعِ الْمُتَشَابِهِ خَبَراً وَطَلَباً فَالْحَلَّافُ مَقْرُونٌ بِالْمَهِينِ ؛ لِأَنَّ الْحَلَّافَ هُوَ كَثِيرُ الْحَلِفِ وَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْخَبَرِ أَوْ الطَّلَبِ فَهُوَ إمَّا تَصْدِيقٌ أَوْ تَكْذِيبٌ أَوْ حَضٌّ أَوْ مَنْعٌ ؛ وَإِنَّمَا يُكْثِرُ الرَّجُلُ ذَلِكَ فِي خَبَرِهِ إذَا احْتَاجَ أَنْ يَصَدَّقَ وَيُوثَقَ بِخَبَرِهِ . وَمَنْ كَانَ كَثِيرَ الْحَلِفِ كَانَ كَثِيرَ الْكَذِبِ فِي الْعَهْدِ مُحْتَاجاً إلَى النَّاسِ فَهُوَ مِنْ أَذَلِّ النَّاسِ { حَلَّافٍ مَهِينٍ } حَلَّافٌ فِي أَقْوَالِهِ . مَهِينٌ فِي أَفْعَالِهِ .